محمد عبد الله دراز
219
دستور الأخلاق في القرآن
للمرور دون أن يسبق ذلك أن تخصهما بقيمة متساوية ؟ على أنّه من غير المقبول أن نضع في مستوى واحد : اللازم ، والضّروري ، والزّائد الفضلة ؛ الأكثر إلحاحا ، والأقلّ ، الوجود ، والكمال . ومهمة عالم الأخلاق لا تنتهي بمجرد أن يضع قائمة بالواجبات ، فإنّ عليه أيضا أن يقر فيما بينها تدرجا في القيم ؛ وحتّى لو افترضنا أنّ هذا النّظام قد وضع ، فلن يكون مطلقا نظاما نهائيا ، لأنّه في جوهره نسبي ؛ ولأنّ ما هو لازم محتم في حالة - قد يصبح ثانويا في حالة أخرى ، وفائضا ، زائدا في حالة ثالثة . ولذلك نجد الإنسان أمام الخطر يضحي بأثمن الطّيبات من أجل إنقاذ الحياة ، ثمّ هو يعرّض الحياة للأخطار من أجل إنقاذ الشّرف . وإنّما تتحدد القيمة الجديرة باختيارنا عند الاتصال بالواقع الرّاهن ؛ وليس ممكنا وضع خط دقيق للتمييز بين الواجبات المختلفة إلا « على الطّبيعة » ، وهو مع ذلك خط غير ثابت ، يخضع دائما للتعديل ، بحيث إننا لو أردنا تحديد واجب في لحظة معينة ، فإنّ الكلمة الأخيرة سوف تترك لحكم كلّ فرد ، بل ربما تترك لما يمكن أن نسميه « بحاسته السّادسة » . هكذا نجد أنفسنا وقد تجاوزنا « الكانتية » بمرحلتين ، وهذا التّجاوز نفسه ينقلنا إلى الطّرف الآخر من الطّريق . [ فردريك روه Frederic Rauh ] على الطّرف النّقيض للنظرية الكانتية الّتي تجعل السّلطة التّشريعية كلّها من شأن العقل الخالص - تقف نظريات أخرى تدافع عن قضية الحرية التّجريبية للذات ، ويتجلى هذا التّناقض العجيب المثير لدى [ جيو Guyau ] و [ نيتشة